بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيّين الصادع
بالحقِّ والرسول الاَمين وعلى آله الطاهرين والاَئمّة المنتجبين.
وبعد ، فالذي دعاني لتسجيل هذه الاَسطر هو الدفاع عن
الحقّ ورد محاولة مقيتة ممن يدّعي التشيّع لانكار أبسط الاصول وأوضحها لدى الشيعة
الاِمامية وهو ما كتبه أحمد الكاتب تحت عنوان « تطور الفكر السياسي الشيعي من
الشورى إلى ولاية الفقيه » ومع انّ الكتاب مضى عليه زمان طويل وطبع أكثر من مرّة
إلاّ انّه لم يدفعني لردّه إلاّ ما رأيت أخيراً ممن لا أظنّ به أن يستأجر أو يشترى
حيث قام بالدفاع عنه بحجّة الدفاع عن حرية الرأي والتفكير ، فأعلن سخطه على من منع
الكاتب من الدخول في المجامع الاسلامية فآسفني ذلك ورأيت لزاماً عليّ ان ادافع عن
الحق وبعد مراجعة المصادر التي استند الكاتب اليها في جمع ملاحظاته التي بنى على
اساسها كل مزاعمه الباطلة رأيت انه يكذب في النقل فتراه مثلاً ينقل حديثاً عن كتاب
الشافي ويستند اليه كانه رأي لصاحبه الشريف المرتضى وبعد المراجعة تجد ان الشريف
نقل الحديث عن خصمه المعتزلي وردّ عليه اشد الرد وانكره اشد الانكار. او تراه ينقل
جزءاً من حديث يدل على ما زعمه ولفقه وبعد المراجعة تجد ان في صدر الحديث وذيله
تصريحاً بخلاف ذلك وان هذه القطعة انما ذكرت في فرض خاص وغير ذلك من الموارد ـ التي
سنأتي عليها جميعاً ان شاء الله ـ مما لا يبقي للباحث شكاً في ان الرجل يراوغ في
دعوى التشيع وليس من اصحاب الرأي الحر والتفكير القويم. بل يظهر من ذلك انه لم يكن
الامر ملتبساً عليه ولم يكن طالباً للحق فاخطأه ولم تجره ملاحظة البحث عن جذور
ولاية الفقيه الى انكار ولاية الائمة عليهم السلام كما يدعي فضلاً عن ان يكون ممن
وفقه الله للكشف عن الحقيقة كما يدعي ايضاً. بل يتتبع جملة عابرة يستشم منها رائحة
الباطل فيحذف سابقتها ولاحقتها مما يكون قرينة على الخلاف ويسجلها كنص يدل على
المقصود وقد اتعب نفسه في ذلك ، فلو كان بذلك يحاول تأييد مذهبه ومذهب آبائه لهان
الاَمر وان كان العمل فجوراً كيفما اتفق إلاّ انّه لا يدلّ على مساومة وبيع ضمير
ولكنه بهذا التعب والتركاض والمراوغة والاحتيال يريد ضرب مذهبه الذي يعلن عنه وهو
مذهب آبائه ، (
انّ الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم
يوم القيامة ).
ومنهجنا في البحث هو
ملاحقة الكاتب وتزييف أقواله وكشف مكائده واحباط مؤامراته فننقل عبارته أولاً ثمّ
نعقب عليه بما يكشف عن وجه الحقّ فنقذفه على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ولله
الحمد وحده أولاً وآخراً والسلام على من اتبع الهدى.
( 2 )
النيابة العامّة يقول
الكاتب في ص 10 :
«
وفي
رأيي أنّ الاَزمة بين المرجعية والديموقراطية ستستمرّ ما لم تتمّ معالجة جذر
المشكلة ، وهي نظرية النيابة العامّة عن الاِمام المهديّ التي تعطي للفقهاء تلك
الهالة المقدّسة والمطلقة ، حيث لا يمكن التخلّص من هذه النظرية إلاّ بدراسة قضيّة
ولادة الاِمام الثاني عشر ، ( المهدي المنتظر ) ، في القرن الثالث الهجري ،
واستمرار حياته إلى اليوم بشكل طبيعيّ إضافة إلى إعادة النظر في الفكر الاِماميّ ،
ومدى ارتباطه بأهل البيت ( عليهم السلام ) ».
يوهم الكاتب انّه يرى نظرية ولاية الفقيه تستند إلى نيابة
الامام المهدي عليه السلام وبالتالي فسوف تنهار إذا انهارت فكرة وجود الامام المهدي
عليه السلام ، وهذا خطأ ، بل هو عمد يحاول به اعطاء صبغة سياسية لهذا الهجوم الفكري
على أساس التشيّع ، فكأنّه يقصد بذلك اصلاحاً سياسياً وكانّه يقدم به العون لنداءات
دعاة الاصلاح الاجتماعي الحديث على الساحة الايرانية.
والواقع انّ التعبير بالنيابة العامة ليس تعبيراً فقهياً
ولا مذكوراً في الاستدلالات الأساسية لنظرية ولاية الفقيه بتاتاً ، بل يأبى بعض
العلماء التعبير به حتى في الشعارات بالرغم من انهم يقولون بولاية الفقيه ، وأخص
بالذكر منهم سيدنا الاستاذ المرجع الكبير السيد السيستاني حفظه الله.
وولاية الفقيه لا تستند إلى النيابة عن الامام المهدي
عليه السلام ولا يدعي حماتها وجود أي دليل معتبر عندهم على نصب الفقهاء كأولياء
للناس من قبل الاِمام المهدي عليه السلام وانّما يذكرون التوقيع المنسوب إليه كمؤيد
يدعم به سائر الأدلّة ، وفيه الجملة المعروفة : «
وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا
فيها إلى رواة حديثنا فانّهم حجّتي عليكم... »
(1).
بل الأساس في هذه النظرية الروايات الواردة عن الأئمّة
السابقين عليهم السلام وليس في شيء
____________
(1) راجع كتاب البيع للإمام الخميني رحمه الله 2 : 473 ، وقد عبّر عنه
بالتوقيع المبارك المنسوب إلى إمام العصر عجل الله فرجه.
( 3 )منها
التعبير بالنيابة وانّما كانوا يرجعون شيعتهم في فصل الخصومات والتصرف في أموال
القاصرين والغائبين ونحو ذلك ممّا يتطلب ولاية شرعية إلى الفقهاء ، ولم تكن هذه
الولاية خاصة بعصر الغيبة أي عصرنا هذا بل كانت لهم الولاية حسب هذه الروايات في
عصر الأئمّة عليهم السلام ، وكان لا بدّ لهم من تعيين مرجع يركن إليه الشيعة في
حاجاته هذه بعد أن كانوا يمنعونهم من الركون إلى الظلمة كما منعه الله تعالى في
كتابه الكريم (
ولا تركنوا إلى الَّذين ظلموا فتمسّكم
النار... ) خصوصاً بملاحظة أن القضاة والولاة ما كانوا يحكمون حسب فقه
اهل البيت عليهم السلام الذي كان يرفض بشدة الاحكام التي تداولتها السلطة وتبعهم
عامة الناس وسموها احكاماً شرعية اسلامية.
وعلى
اساس تلك الروايات كان الفقهاء مراجع الشيعة في كل ما يتوقف على ولاية شرعية في عصر
الائمة عليهم السلام وبعدهم. والذي حدث اخيراً انما هو تعميم الولاية ثم القول
باطلاقها وتشييد بناء الحكومة على أساسها وهذا امر آخر. وهو ايضاً لا يتوقف على
دعوى النيابة عن الامام بل يستند كما ذكرنا الى نفس الروايات المذكورة بتوسع في فهم
مداليلها.
وليس كلامنا هنا حول تقييم نظرية ولاية
الفقيه وتأييدها او عدمه وانما الكلام في تفنيد هذه المزعمة ، ان ملاحقة هذه
النظرية أدّى بالكاتب الى انكار وجود الامام المهدي عليه السلام كما زعمه في مقدمة
الطبعة اللندنية فهذه مسيرة لا تنتهى الى ذلك الافق وما أظنّه قد انتهى به السير
الى ذلك ، بل هذه مزعمة اختلقها بعد محاولته لضرب اساس مذهب اهل البيت عليهم السلام
أراد بها ـ كما ذكرت ـ ان يصبغ حديثه صبغة سياسية وقبل ذلك اراد ان يلبسه ثوباً
زاهيا مصطنعاً فكأنه ما كان متعمداً وقاصداً في انكاره هذا لئلا تحوم حوله الشكوك
او الظنون كما تحوم حول كل الاقلام المستأجرة وانما هو نتيجة فرضتها طبيعة البحث
والتعمق بدءاً من ولاية الفقيه ومروراً بفكرة الامام المهدي عليه السلام وانتهاءً
بالامامة ككلّ وتبديلها بالشورى وهو غير صادق في ذلك فمن الواضح ان المسير الطبيعي
لمن يحاول تفنيد نظرية ولاية الفقيه ان يفند ادلتها التي استند اليها دعاتها دون ان
يختلق له صبغة النيابة العامة التي تنادي بها عامة الناس ويحاول على اساسه نفي
المنوب عنه لتنتفي النيابة. والذي يبدو أنه كان يلاحق من البدو نظرية الامامة
واستنادها الى النص وهذا انكار لاصل التشيع ومذهب اهل البيت عليهم السلام ومن
الغريب انه مع ذلك يعبر عنهم ب ( الامام المعصوم ). وما هذه إلا مراوغة كفى الله
شرها.
وسترى من خلال البحوث الآتية انه غير صادق
في كل تتبعاته التى آلت به الى انكار اصل الامامة ، وان الشيعة كانوا يعتقدون بان
القيادة الاسلامية تتعين بالشورى. ونحن لا نريد ان ننكر ضرورة الاستناد الى رأي
الامة في العصر الحاضر لتعيين القيادة وان كان سيدنا الامام الخميني رضوان الله
عليه لم يقل به
( 4 )فقهياً
وانما رضي به في تدوين قانون الجمهورية الاسلامية ولكن لا يبعد إحتمال صحة ما ذهب
اليه بعض الفقهاء ومنهم سيدنا الاستاذ السيستاني حفظه الله الى ان نفوذ حكم الفقيه
بالمتصدي الجامع للشرائط اذا كان مقبولاً لدى عامة المؤمنين.
ومهما كان فولاية الفقيه سواء سلمنا اعتبار أدلتها سنداً
ودلالة ام رفضناه وسواء كانت مقيدة بقبول الاُمّة أم مطلقة وسواء كانت خاصة بمجال
أم عامّة تشمل القيادة السياسية فانها مبحث فقهي تتحكم فيه الاصول الفقهية وقواعد
الاستدلال في الفقه وليست من اصول العقائد ولا ترتبط بامامة الائمة عليهم السلام
الثابتة بالنص كما سيتبين ان شاء الله.
نظام الشورى يقول الكاتب في
ص 19 تحت عنوان الشورى نظرية أهل البيت :
«
كانت الامة الاسلامية في عهد الرسول الاعظم وبعد وفاته
وخلال العقود الاولى من تاريخنا تؤمن بنظام الشورى وحق الاُمة في اختيار ولاتها ،
وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان والعاملين به ، وعندما اُصيبت
بتسلط الحكام الأمويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة وإلغائهم لنظام الشورى ،
تأثر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث ، فقالوا رداً على ذلك بأحقية أهل
البيت بالخلافة من الأمويين ، وضرورة تداولها في أعقابهم ، ولكن هذه النظرية لم تكن
نظرية أهل البيت أنفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الأوّل الهجري
».
الشورى في عهد الرسالة الشورى والمشاورة وردت في الكتاب العزيز في موردين :
1ـ قوله تعالى : (
فبما رحمة من
الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من قولك فاعف عنهم واستغفر لهم
وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين )
(1).
كثيراً ما نجد الاستدلال بهذه
الآية على مشروعية نظام الشورى في تعيين القيادة الاسلامية هنا
____________
(1) آل عمران : 159.
( 5 )وهناك في
المقالات والكتب والصحف ولكنه خطأ واضح :
أولاً :
لأنّ هذه الآية لا تأمر الرسول صلّى الله عليه وآله بالعمل برأي الناس وانما تأمره
بالمشاورة معهم في الامور تلطّفا بهم كما يوحي به المقدمة المذكورة في الآية قبل
الامر بها وهو لين الرسول ودماثة اخلاقه وعطفه على المؤمنين حيث فرّع على ذلك بحرف
الفاء أي على اساس هذه الرحمة اعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر.
ويدل على ذلك بوضوح قوله تعالى فاذا عزمت فتوكل على الله.
حيث يدل ذلك على ان المشاورة معهم لا تمنعه من العمل بما عزم عليه وان كان مخالفاً
لرأيهم فلم يقل فاذا رأوا رأياً فاعمل به كما هو مقتضى وجوب العمل حسب
المشورة.
والخلاصة ان الرسول صلّى الله عليه وآله
مأمور حسب هذه الآية بالملاطفة بالناس وان يشاورهم في الشؤون الاجتماعية لئلا
يشعروا بالاذلال والاستبداد.
وثانياً : ان مجال
هذه المشاورة ليس هو تعيين القيادة فالناس لم يكونوا مختارين في الشريعة ان يقبلوا
قيادة الرسول صلّى الله عليه وآله أو يرفضوها بل كان الواجب عليهم اطاعته في جميع
الامور فقيادته قيادة الهية مفروضة على الناس وانما كان مجال هذه المشاورة الشؤون
الاجتماعية الدخيلة في ادارة النظام.
والايمان
بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها امر آخر غير عمل الولي برأي من استشاره
منهم في هذا المجال ، والاية لو اثبتت مشروعية الشورى فانما تثبتها في المجال
الثاني دون المجال الاول اي تعيين ولي الامر حسب آراء الناس.
2 ـ قوله تعالى : (
والذين
استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون )
(1) ـ هذه الآية الكريمة وردت في عداد اوصاف حسنة ذكرها للمؤمنين حيث
قال تعالى.... (
وما عند الله خير وابقى للذين آمنوا وعلى
ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون والذين
استجابوا .. ) الى آخره. فتعتبر الآية من الصفات التي يتميز بها
المؤمنون التشاور فيما بينهم ومجال ذلك أيضاً هو المجال الثاني مما مر ذكره دون
تعيين القيادة.
وقد ورد الامر بالاستشارة مع
الآخرين في الشؤون الشخصية والاجتماعية في روايات كثيرة ، منها ما اشتهر عن
اميرالمؤمنين عليه السلام : « من استبدّ برأيه ضلّ ومن استعان بذوي الالباب سلك
سبيل الرشاد ». وكثير مما ورد في هذا المعنى ولا يرتبط ذلك بتاتاً بموضوع تعيين ولي
الامر. إذ لا شك
____________
(1) الشورى :
38.
( 6 )ان موضوعاً
هاماً حيوياً كهذا لا يمكن ان يكتفى في بيانه وتشريعه واقامة المجتمع عليه بجملة
مختصرة كهذه بل المفروض ان يكون التركيز عليه اكثر واكثر وضوحاً علماً بانه اسلوب
جديد في كيفية تعيين الجهة الحاكمة والقيادة السياسية لم تعهده الجزيرة العربية ولا
غيرها انذاك هذا ولابد من بيان كيفية تعيين القائد بالمشاورة ايضاً والتصريح بان
تعيينه لابد ان يستند الى رأي الاكثرية مثلا فالقرآن الذي يهتم بمسائل المجتمع
العادية كدخول الاطفال الى غرف نوم الآباء والاكل من بيوت الاقرباء كيف لا يهتم
بمسألة اجتماعية وخطيرة حيوية كهذه فيكتفي باشارة عابرة ضمن تسجيل خصائص المؤمنين.
هذا مع انهم في عهد الرسالة كما اشرنا اليه لم يكونوا يعتمدون في تعيين القائد على
مشاورة وانتخاب ورجوع الى آراء الامة بل كانوا يرون وجوب طاعة الرسول صلّى الله
عليه وآله فرضاً من الله تعالى لابد لهم من الالتزام به كما فرضه الله عليهم شاؤوا
أم أبوا.
وقد قال تعالى : (
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في
انفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليما )
(1) ، بل هذه سنته
تعالى في جميع الرسل كما قال : (
وما ارسلنا من رسول إلاَّ
ليطاع باذن الله... )
(2).
ولو كانت الشورى هي اساس تعيين القائد في عهد الرسالة المجيدة فلماذا لم نجد لها
اثراً ولا خبراً ولم نسمع بيوم اقيمت فيه الانتخابات العامة ولا منازعاً لقيادة
الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله يحاول كسب آراء الاكثرية ؟! فهذا دليل واضح مع
انه لا يحتاج الى دليل لوضوح نفس الموضوع وهو ان الرسول صلّى الله عليه وآله تجب
اطاعته كما تجب اطاعة الله تعالى وقد امتلأ الكتاب العزيز بالامر باطاعته (
أطيعوا الله واطيعوا الرسول ) فهل يتوقف وجوب اطاعة
الله ايضاً على رأي الناس ؟! وهل يدعي ذلك من اوتي نصيباً من العقل والادراك ؟! فان
لم يكن كذلك فكذلك اطاعة الرسول صلّى الله عليه وآله لانها امر من الله تعالى فهي
واجبة على كل من يؤمن بالله شاء أم أبى.
ولعلّ
الذي اوقع بعض المتفلسفين في هذا الوهم وهذه الدعوى الفارغة قضية البيعة وقد شوهد
بعض الكتّاب المسلمين يحاولون تفسير البيعة بجمع الآراء واشتراك الناس في تعيين
مصيرهم وانتخاب قائدهم. ولكن البيعة لا تعني ذلك. وانما هي ميثاق يأخذه الرسول أو
الامام أو أي قائد شعبي من الناس كي لا يتركوه في حروبه ومجاهداته ويطيعوه في
الشؤون الاجتماعية فهو امر لابد منه في جمع القوى المعارضة لنظام متسلط لا ان
مشروعية قيام الرسول او الامام تستمد منه ، لقد اشتبه الامر على هؤلاء. فالبيعة
لابد منها في مجال العمل وبدونها لا يمكن اقامة حرب او معارضة وكلامنا هنا في
مشروعية القيادة وانها هل تستمد من البيعة ام من امر الله تعالى ؟ فلو كانت البيعة
والشورى هي الاساس في تعيين القائد لما
____________
(1) النساء : 65.
(2) النساء : 64.
( 7 )وجبت
البيعة على الناس لا عقلاً ولا شرعاً فلهم ان ينتخبوا الرسول صلّى الله عليه وآله
كقائد لهم ولهم ان ينتخبوا أبا جهل مثلاً وهذا مخالف لصريح الآيات الكريمة ولضرورة
الدين. واما اذا قلنا بان قيادة الرسول صلّى الله عليه وآله امر من الله تعالى
فالبيعة واجبة على كل مؤمن بالله.
وانما سميت
بيعة لان الناس يبيعون بذلك انفسهم واموالهم فلا يرغبون بانفسهم عن نفسه ويطيعونه
في كل صغيرة وكبيرة وهذا هو الميثاق الذي اخذه الرسول صلّى الله عليه وآله من اهل
المدينة حين هاجر اليهم وعلى ذلك استمر الناس بالبيعة. وقد قال تعالى : (
ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول
الله ولا يرغبوا بانفسهم عن نفسه )
(1) ، وقال تعالى في
مبايعة النساء : (
يا ايها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك
على ان لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن اولادهن ولا يأتين
ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله
إنّ الله غفور رحيم )
(2).
فالبيعة ميثاق ياخذه الرسول صلّى الله عليه وآله من الناس ولا بد لهم منه شرعاً لا
يجوز لهم التخلف عنه وليس معنى ذلك انهم رضوا بقيادة الرسول وادلوا باصواتهم له
ولولا رضاهم لم يكن للرسول ولاية فهذا امر لا يدعيه مسلم.
وقد قال تعالى : (
النبي اولى
بالمؤمنين من انفسهم )
(3). وهذه الآية تدل على انه ليس لاحد
يؤمن بالله تعالى ان يخالف الرسول صلّى الله عليه وآله ولو في امر شخصي يعود الى
نفسه ولا يرتبط بالشؤون الاجتماعية فلو امر الرسول صلّى الله عليه وآله احداً ان
يطلق زوجته او يزوج ابنته لاحد او يهب امواله لاحد او اي امر آخر يرتبط بنفسه دون
ان يترتب عليه اي اثر اجتماعي فان الواجب عليه ان يطيعه حسب هذه الآية وآيات اخرى
ايضاً كقوله تعالى : (
ما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله
ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا
مبيناً )
(4) ، وقوله تعالى : (
فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم ).
ولولا أنّ بعض الاَفكار الملحدة نسبياً تحاول التشكيك في ضروريات الاسلام لم يكن
وجه للاستدلال على هذا الامر الواضح. ومن هنا فاني اجد ان الكاتب في اول صفحة من
كتابه لم يكتف بالمحاولة على نفي ولاية الائمة عليهم السلام فحسب بل انه رفض احد
اصول الدين الاسلامي الحنيف وهو اطلاق ولاية الرسول
____________
(1) التوبة : 120.
(2) الممتحنة : 12.
(3) الاحزاب :
6.
(4) الاحزاب : 36.
( 8 )صلّى الله
عليه وآله الذي لا يرتاب فيه مسلم ولكنه يراوغ فيحاول دسّ هذا السمّ الناقع في ضمن
مسألة اخرى ربما يحلو لكثير من المسلمين قبولها وبذلك يكون قد نجح في اضعاف ايمانهم
باصل الرسالة وعمودها وهو الطاعة المطلقة للرسول الكريم صلّى الله عليه
وآله.
نظام الشورى بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله واما الامة الاسلامية بعد عهد الرسالة فهل آمنت بنظام
الشورى واتخذته وسيلة لتعيين القائد كما يدعيه الكاتب وغيره ؟. لابد من ملاحظة عمل
الامة بعد رسولها لننظر هل آمنت بذلك عمليا كما هو المدّعى ؟. وقبل ذلك لابد من
تفسير الشورى.
المراد بالشورى التي تعتبر نظاماً
لتعيين قيادة الامة والتي هي اساس الديموقراطية الحاضرة هو الاخذ برأي الاكثرية من
جميع افراد الامة ولنفرض اختصاص الحكم بالرجال حسب الطقوس الاجتماعية الحاكمة في
تلك العهود والحضارات. فهل تحقق امر كهذا في تعيين احد الخلفاء بعد الرسول صلّى
الله عليه وآله ؟!
ربما يدعى ذلك بالنسبة لخلافة
ابي بكر ولكن التاريخ يقول لنا ان بيعته لم تكن باخذ الآراء وجمعها والروايات على
اختلافها وتكاذبها تكاد تتفق على ان الانصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ليؤمروا
عليهم سعد بن عبادة بزعم انهم اهل يثرب الاصليين فلهم الامارة وعلم بذلك ابوبكر
وعمر وابو عبيدة فحضروا هناك ونافسوهم الامر وساعدهم الحظ وضغائن الاوس والخزرج
العريقة واختلافهم على سعد الخزرجي فمد ابوبكر يده ليبايع احد الرجلين عمر وأبا
عبيدة فأبى عليه عمر وبايعه ثم بايعه بعض الانصار ثم من حضر أو اُحضر من المهاجرين
ولا يعد هذا أخذاً للآراء والشورى وقد بيّنا ان البيعة لا تعني اخذ الرأي وانما هو
امر لا بد منه عملياً لمن يريد مزاولة القيادة او امارة الجيش أو انشاء حركة
معارضة. وقد قال عمر كلمته المشهورة ان بيعة ابابكر فلتة وقى الله شرّها
(1) بل قالها أبوبكر نفسه قبل ذلك
(2) ـ وحذّر من تكراره على
ما في بعض التواريخ.
ولو فرض صحة تسمية هذه
البيعة بالشورى فهي مختصة بذلك الجمع من المهاجرين والانصار مع ان اكثرهم أيضاً اخذ
على غرّة وكان لابد لكلِّ فرد ان يدخل فيما دخلت فيه الجماعة والا فكان يعد
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي
الحديد 2 : 23 ، النهاية لابن الأثير 3 : 466 ، تاريخ الطبري 3 : 205 ، الصواعق
المحرقة : 36 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 68.
(2) السقيفة وفدك للجوهري : 70 ،
سيرة ابن هشام 4 : 335 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 47 ، الامامة
والسياسة 1 : 16 ، الرياض النضرة 1 : 167.
( 9 )عاصياً
للجماعة وخارجاً على الامام ولا شك ان الاكثرية منهم بايعوا على هذا الوجه. ولو صح
ذلك فيهم فلا تصح في كل من حضر المدينة بل كان كل فرد أو جماعة يواجه امراً حاضراً
وبيعة مشهودة لا يقوى على مخالفتها ولم تكن في قبالها بيعة اخرى او منازع شاهر نفسه
يدعو الى البيعة لتصدق المنافسة. ولو صح ذلك فيمن حضر المدينة فلا يصح في سائر
المسلمين المتواجدين في اطراف البلاد الاسلامية من جزيرة العرب الى البحرين.
واختصاص الرأي بالمهاجرين والانصار واهل الحل والعقد ليس من الشورى في شيء.
ولو فرض ـ جدلاً ـ صدق الشورى على بيعة ابى بكر فلا وجه
لتسمية بيعة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب شورى اذ لم تكن خلافته الا بنصب من ابي
بكر وبايعه الناس طوعا وكرها واما الشورى التي صنعها عمر فلا تستحق ان تسمى شورى
بالمعنى الذي يرومه أصحاب الديموقراطية ولا تشبهها بوجه فانه عين بنفسه ستة اشخاص
لم ينتخبهم احد من الناس وهم علي وعثمان وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن
ابي وقاص وأمر أن يتشاوروا فيما بينهم ويعينوا احدهم قائداً للمسلمين وأمر محمد بن
مسلمة ان يكون بجيشه على الباب فان مضت ثلاثة ايام ولم يصلوا الى رأي يقتلهم بأسرهم
وحيث كانوا ستة وكان يخشى ان ينقسموا نصفين فلا تكون اكثرية في جانب أعلن أن الكفة
التي تحتوي على عبدالرحمن بن عوف هي الراجحة. وكان من الواضح لدى الساسة ذلك اليوم
ان الشورى لا تتمخض الا عن خلافة عثمان او عبدالرحمن بن عوف ولذلك كانوا يشيرون على
علي عليه السلام بترك الدخول فيه. ولسنا الآن بصدد تقييم هذه الشورى والسياسة التي
دبرها عمر لئلا يحظى علي عليه السلام بالخلافة فهذا له موضع بحث آخر ولكن المقصود
التنويه على ان هذه الشورى لا تشبه بوجه من الوجوه حرية الرأي المعبر عنها
بالديموقراطية.
فليت شعري متى كانت الامة
الاسلامية بعد الرسول صلّى الله عليه وآله تؤمن بنظام الشورى وتتخذه وسيلة لتعيين
قائدها ؟ وفي أي خلافة كانت هي المستند ؟ ومتى برزت فظهرت على ساحة التاريخ
الاسلامي ؟
الشورى عند اهل البيت عليهم السلام واما اهل البيت ودفاعهم عن الشورى فلم نسمع به من باحث في
التاريخ وسنأتي على كل ما جاء به الكاتب من شواهد على ذلك مما اُثِرَ عنهم عليهم
السلام.
وقبل ذلك ينبغي ان نذكر أن اهل البيت لو
كانوا مدافعين عن الشورى فما بال علي اميرالمؤمنين
( 10 )وهو سيد
اهل البيت عليه السلام لم يبايع أبا بكر وهو المدعى تأسيس خلافته على اساس نظام
الشورى فمن الثابت تاريخياً انّه لم يبايعه ما دامت فاطمة عليها السلام في الحياة
وقيل اكثر من ذلك.
وقبل ذلك لِمَ لم تبايع ولم
تقبل بخلافته فاطمة سيدة نساء العالمين بنص الرسول الكريم بل رفضته وهجرته ولم
تكلمه ولم ترد عليه سلامه وسلام صاحبه ولم يسع احداً من كتّاب التاريخ ان ينكر ذلك
وقد صرح به البخاري ومسلم واحمد وغيرهم من أصحاب السنن والمؤرخين وارتبك المأولون
كيف يجمعون بين هذه القضية التاريخية الواضحة وتصاريح الرسول الاكرم صلّى الله عليه
وآله حيث صرح اكثر من مرة أن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. وان فاطمة بضعة
مني يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما اغضبها ولعمري ان اصرار الرسول العظيم صلّى الله
عليه وآله على هذا الاعلان الخطير وتكراره على الملأمن أصحابه لمما يثير العجب
ويستوقف الباحث. هل كانت فاطمة تزاحم الرجال في شؤونهم الاجتماعية ؟ ولم يكن ذلك
شأن المرأة في ذلك العهد وخصوصاً سيدة النساء التي كانت قعيدة البيت شديدة الستر
حتى انّها لما خرجت الى المسجد تناجز أبا بكر خرجت في ثلة من نساء قومها لئلاّ
يراها الناس من وراء الحجاب. فلماذا هذا التأكيد من الرسول الكريم ؟ وما الذى كان
يخافه الرسول من بعده ؟
وقد بلغ تكرار ذلك من
الكثرة بحيث لم يستطع هواة التحريف والانكار حذفه من قائمة الاحاديث النبوية بالرغم
من ان السلطات الغاشمة ما كان يروقها انتشار مثل هذه الاحاديث.
فلو كان اهل البيت يدافعون عن نظام الشورى وان خلافة ابي
بكر قامت على اساسه لكانت الزهراء سلام الله عليها اول من يؤمن بخلافته وما كان
ينبغي لها ان لا تبايعه ولا ترد عليه سلامه وتهجره حتى وفاتها مع ان اباها الرسول
الكريم اكّد على ما فى الحديث ان «
من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية
».
هذا وقد صرحت الزهراء سلام الله عليها في
خطبتها حين عادتها نساء المدينة بان زمام الخلافة مما القاه الرسول صلّى الله عليه
وآله الى اميرالمؤمنين عليه السلام حيث قالت : «
ويحهم انّى زحزحوها ( اي
الخلافة ) عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الامين الطبن بامور الدنيا
والدين الا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا من ابي الحسن نقموا والله منه
نكير سيفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمّره في ذات الله وتالله لو تكافأوا على زمام
نبذه اليه رسول الله صلّى الله عليه وآله لاعتقله وسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم
خشاشه... » الى آخر الخطبة الشريفة وهي مشهورة في كتب الشيعة كان الطالبيون
يستوصون بحفظها وتداولها وكذلك خطبتها في المسجد حين احتجت على أبي بكر. وقد روى
( 11 )بعض اعلام
السنة ايضاً هذه الخطبة ( التي استشهدنا بها ) ففي هامش المراجعات ان أبابكر
الجوهري رواه في كتاب السقيفة وفدك ورواها احمد بن ابي طاهر في بلاغات النساء : 33.
وفي تعليقة حسين الراضى على المراجعات استخراجها من بلاغات النساء لابن ابي طيفور :
19 وشرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد ط بيروت ج16 ص233.
والشاهد في قولها : لو تكافأوا على زمام نبذه اليه رسول
الله صلّى الله عليه وآله. وهذه احدى النصوص التي تحكي عن ان امامة اميرالمؤمنين
عليه السلام وقيادته كان بنص من الرسول صلّى الله عليه وآله وان من تقمصه كان
غاصباً لحقه عليه السلام بل لحق الامة جمعاء.
النص على خلافة اميرالمؤمنين عليه السلام قال الكاتب في ص19 اليضاً :
«
وبالرغم ممّا يذكر الإماميون من
نصوص حول تعيين النبي صلّى الله عليه وآله للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده ،
إلاّ أنّ تراثهم يحفل بنصوص اُخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ
الشورى وحق الاُمّة في انتخاب أئمّتها »..
اما النص على اميرالمؤمنين عليه السلام فقد حفلت بذلك كتب
الشيعة بل وكتب العامة ايضاً وانما هم يؤلون النصوص لانها تخالف اجتهاد الصحابة
ولعل هذا هو الذي دعا الامام السيد عبدالحسين شرف الدين رحمه الله ان يجمع الموارد
الكثيرة التي خالف فيها الصحابة نص الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله مع وضوح
صراحته ليرد بذلك هذه المزعمة ان كل نص يخالف اجتهاد الصحابة فلابدّ من
تأويله.
ونستعرض هنا نصوصاً ورد في كتب العامة
:
1 ـ حديث الدار. وهو حديث مشهور رواه كثير من
الحفاظ واصحاب السنن ونحن نرويه بالنص الذي رواه الطبري في تاريخه بسنده عن عبدالله
بن عباس عن علي بن ابي طالب عليه السلام :
« لمّا
نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وآله : (
وأنْذِر عَشِيرَتَكَ الاَقرَبِينَ )
(1)
دعاني رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال لي : يا علي ، إنّ الله أمرني أن أنذر
عشيرتي الأقربين ، فضقتُ بذلك ذرعاً ، وعرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم
ما أكره ، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال : يا محمد ، ( انّك ان لا تفعل ما
تؤمر به يُعذّبك ربّك ) ، فاصنع لنا صاعاً من طعام ، واجعل عليه رَحْلَ شاة ،
واملاَ لنا عُسّاً من لبن ، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتى اُكلّمهم وأبلغهم ما
اُمرت به.
ففعلت ما أمرني به ، ثمّ دعوتهم ، وهم
يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة
والعبّاس وأبو لهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم ، فجئت به ،
فلمّا وضعته تناول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حِذيةً من اللحم ، فشقّها
بأسنانه ، ثمّ ألقاها
____________
(1) الشعراء
: 214.
( 12 )في نواحي
الصحفة ، ثمّ قال : خذوا بسم الله ، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة ، وما أرى
إلاّ موضع أيديهم ، وأيم الله الّذي نفس عليّ بيده ، ان كان الرجل الواحد منهم
ليأكل ما قدّمت لجميعهم ، ثمّ قال : اسق القوم ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه حتى
رووا منه جميعاً ، وأيمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.
فلمّا أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يتكلّم
بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم ، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول
الله صلّى الله عليه وسلم ، فلمّا كان الغد قال : يا علي ، انّ هذا الرجل سبقني إلى
ما قد سمعت من القول ، فتفرّق القوم قبل أن اُكلّمهم ، فعُد لنا من الطعام بمثل ما
صنعت ، ثمّ اجمعهم إليَّ.
قال : ففعلت ثمّ جمعتهم
، ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتى ما لهم بشيء
حاجة ، ثمّ قال : اسقهم ، فجئتهم بذلك العُس ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً ، ثمّ
تكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال : يا بني عبد المطّلب ، انّي والله ما
اعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا
والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على
أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟
قال : فأحجم
القوم عنها جميعاً ، وقلت ـ وانّي لاحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً
وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ـ قالها ثلاثاً ـ.
قال : فأخذ برقبتي ثمّ قال : انّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي
فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.
قال : فقام القوم
يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع »
(1).
وقد صرح الرسول صلّى الله عليه وآله في هذا الحديث بانه
خليفته فيهم وما يقال من انه خليفته في عشيرته كلام غريب اذ ليس للرسول خليفتان
خليفة في امته وخليفة في عشيرته وما هو موضعه من عشيرته ؟ هل كان رئيس العشيرة
آنذاك فيستخلف احداً رئيساً بعده ؟! انما كان رسولا مبعوثاً الى عشيرته
وغيرهم.
واما سند الحديث فصحيح معتبر كما اعترف
به الشيخ سليم البشري على ما في المراجعات المراجعة 23. بالنسبة الى ما ورد في مسند
احمد وقد ورد هذا الحديث في كثير من المجامع الحديثية وجمعت مصادره في التعليق على
المراجعات
(2).
____________
(1)
تاريخ الطبري 2 : 319 ـ 321.
(2) راجع تعليق حسين الراضي على المراجعات التعليق
459 و460 ، وانظر كذلك : الكامل في التاريخ لابن الأثير